الجمعة، 6 مارس 2020

مجلة مذاق خاص الغرس والثمار

مجلة مذاق خاص
الغرس والثمار
ودّعنا بل الفخار العام 2019 ، ذلك العام الذي أنجز فيه شعبنا ملحمته العظيمة نحو الحرية ورسم مامح فجر جديد عامر بالأمل والعمل.. نستقبل العام 2020 وبلادنا تواجه تحديات جمة، فإذا كان ما حدث من تغير في ديسمر هو الميلاد الثاني لأمتنا فاريب أن هذا الميلاد بات محكوما باستحقاقات جديدة أولها، وهو ما ظلت تنشده (مذاق خاص)، استقلالية مواردنا الغذائية والاقتصادية عى مستوى الإنتاج والاسهلاك، وقد نبّهت هذه الإصدارة في أكثر من مناسبة إلى الفرص المهدرة الي تحفل بها هذه الأرض المعطاء ونيلها ولم يتم استثمارها برشد ووطنية تحقيقا للاكتفاء الذاتي، بل تحقيقا لحلمنا المنشود بأن نفيض بما توفر على الآخرين وما ذلك على الله ببعيد.

الأصدقاء والأحباب:
يحفل هذا العدد، ليس فقط بمواد بانورامية مختارة تعكس مسيرة المجلة، بل يوثق للجهود المضنية الي بذلتها أسرة تحريرها كي يظل هذا الحلم واقفا وأن يصمد هذا الواقع أمام مصدات تحديات اقتصادية وتسويقية وارتفاع تكلفة الإنتاج الإعلامي في مجملها، ومع ذلك آثرنا أن نصبر عى رؤيتنا ورسالتنا وصدور المجلة شكلاً
ومضمونا، وأن لا نركن للخفة والاستسهال والتنازل عن معاير الجودة لأجل التكلفة،ومع ذلك ظل سعر النسخة كما هو، وظلت العروض الإعلانية لشركاء الرعاية والإعلان كما هي خاصة لمن آمنوا بهذا الحلم وهو صبي يكلم الناس في المهد..
جملة القول، أن (مذاق خاص) أكثر من إصدارة، فهي حلم ورسالة ومنهج يعكس رؤيتنا لمتلازمة الصحة والتغذية  في السودان كونها يخاطبان حاجات جوهرية وجودية في أثمن ما نملك من كنوز.. كنز الإنسان السوداني وإرث الحضارة على اتساق قوس الأصالة والمعاصرة لن يجف المداد قبل أن نتقدم بالشكر للهيئة الاستثارية الي دعمت توجيهات المجلة وخططت لمشوارها منذ الخطوة الأولى، وللكُتّاب والمحررين وأسرة التحرير الذين تحملوا عبء التضحية بفرص كثرة فيها مال أجزل وجهد أقل، لكنهم آمنوا بالمشروع وصاروا جزءاً منه له ما لهم وعليهم ما عليه.
رئيس التحرير

مجلة مذاق خاص ٢٠٢٠

بانوراما 2020 عدد جديد من "مذاق خاص"

بانوراما 2020
عدد جديد من "مذاق خاص"
تاتي هذه اﻻصدارة مع بداية العشرية الثانية من الالفية الثانية  بنكهة وتحديات مختلفة تجسدها بانوراما 2020محتشدة بملامح ذكريات تأسيس مجلة "مذاق خاص" وجامعة لتنوع خيارات المائدة السودانية كفسيفساء رائعة النقش والتكوين، والمجلة تدخل عامها الثالث لا تقدم بانوراما أطباق مبعثرة في كاتالوج او مينيو إنما الغداء كاسلوب حياة وطرائق معاش لحضارة ضاربة الجذور عميقة الخبرات في الطهي والحفظ  وسبك وملائمة اﻻنواع  كما ابدعتها الذاكرة الجمعية لشعبنا الملهم العامر بالتجديد واﻻبتكار.
 تزينت البانوراما الاحتفالية باقلام راتبة وضيوفا اعزاء رسموا معا لوحة ﻻجل عيون القراء فحاورت مذاق خاص واسطة عقد البلابل النجمة هادية طلسم عن الثقافة النوبيه ضاربة الجذور في جانب الغذاء فاذا ب (سلات) اهل شرق السودان يأتي اول تفضيلاتها...وكما يفصح الاعلامي الشامل الاستاذ طارق كبلو بالمفردات نثرا وشعرا فانه يبوح كذلك باسرار فن الطبخ ومهارة التعلم بالنظر..كما استكتبت المجلة الاعلامية الشابة إسراء عادل فاهدتنا مدونتها الخاصة عن المذاقات السودانية فاذا بابنة ام درمان يشدها سحر مائدة دارفور.
الباحث المجود الاستاذ حيدر التوم خليفة يكتب عن الحناء معددا استعمالاتها وفوائدها الصحية وتتوقف البانوراما امام الاسم الاشهر (التيمان) وتتبع الاسم والحكاية مع حفيد الاسرة، ويقدم مطبخ الشيف إسعاد أختيارات من الاطباق الاحتفالية بما يتناسب مع اختلاف الظروف وطقس المناسبة وبالتاكيد لن تتخطي البانوراما ومحمد امين ابوالعواتك ليالي اهل السودان العرفانية الاحتفالية وتحلق الجموع علي صحن "الفتة ام توم".
مجلة التغذية والصحة الاولي في السودان

الأحد، 23 فبراير 2020

مجلة "مذاق خاص" السياسة التحريرية ..الواقع والتحديات

مجلة "مذاق خاص"
السياسة التحريرية ..الواقع والتحديات

ﻛﻤﺎ ﻫﻮ ﻣﻨﺸﻮر ﻓﻲ اﻟﺴﻴﺎﺳﺔ اﻟﺘﺤﺮﻳﺮﻳﺔ لمجلة "ﻣﺬاق ﺧﺎص " إن ﻣﻦ أﻫﻢ واﺟﺒﺎﺗﻨﺎ لمقابلة اﻟﺘﺤﺪﻳﺎت اﻟﺘﻲ ﺗﻮاﺟﻪ ﻣﺠﺘﻤﻌﺎﺗﻨﺎ ﻓﻲ ﻗﻀﺎﻳﺎ اﻟتغذية واﻟﺼﺤﺔ، ﺗﻘديم ﺧﺪﻣﺔ ﺗﺜﻘﻴﻔﻴﺔ ﻣﺘﻨﻮﻋﺔ وﻣﺘﻜﺎﻣﻠﺔ ﻟﻸﺳﺮة اﻟﺴﻮداﻧﻴﺔ ﻟﻠﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ ﻫﺬه اﻟﺘﺤﺪﻳﺎت المتعاظمة ﻓﻲ ﻧﻘﺺ اﻟﻐﺬاء واﻟﻌﻨﺎﻳﺔ اﻟﺼﺤﻴﺔ، اﻟﺘﻲ ﺗﺘﺤﻮل ﻓﻲ ﺑﻌﺾ اﻷﺣﻴﺎن إﻟﻰ ﻣﺨﺎﻃﺮ ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ ﺗﻌﺒﺚ ﺑﺎﻻﺳﺘﻘﺮار، وذﻟﻚ ﺑﺘﺼﻤﻴﻢ رﺳﺎﻟﺔ ﻓﺤﻮاﻫﺎ اﻟﺘﻌﺮﻳﻒ ﺑﺎﻷنماط اﻟﻐﺬاﺋﻴﺔ اﻷﺻﻠﻴﺔ المتوائمة ﻣﻊ اﻟﺒﻴﺌﺔ إﻧﺘﺎﺟﺎ ومعالجة وحفا، وﺗﻘديها ﺑﺸﻜﻞ ﻳﺤﻘﻖ اﻟﻮﻓﻮرات المختلفة اﻗﺘﺼﺎدﻳﺎ  وﻳﺮاﻋﻲ ﻇﺮوف المستهلكين المختلفة.. وﻫﻲ واﺟﺒﺎت ﺗﺨﺎﻃﺐ ﻛﺬﻟﻚ ﻣﻬﺪدات اﻟﺼﺤﺔ واﻟﺼﺤﺔ اﻟﻌﺎﻣﺔ ﺑﻨﺸﺮ اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ اﻟﺼﺤﻴﺔ ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺎﻳﺔ واﻟﻌﻼج، ومواجهة ﻣﻨﻐﺼﺎت الحياة اﻟﺴﻌﻴﺪة اﻟﻜريمة.
ﺑﻮﺻﻠﺔ ﻃﺮﻳﻖ العدد الاخير وﺟﺪﻧﺎ أﻧﻬﺎ تحتاج مراشد ﻓﻲ أﺻﻮل اﻟﻐﻼل ﺗﺎﺻﻴﻼ وﺗﺎﺛﻴﻼ ﻓﻬﻮ اﻟﻬﺪف اﻟﺬي ﻣﻦ أﺟﻠﻪ ﻛﺎﻧﺖ اﻟﺮؤﻳﺔ...

ﺳﻌﺖ أﺳﺮة التحرير في ﻫﺬا اﻟﻌﺪد المتميز ﺿﻤﻦ ﺣﻤﻠﺔ اﺳﺘﻜﺘﺎب واﺳﻌﻪ ﻟﻜﻞ ﻣﻬﺘﻢ بمآثر ﺳﺒﻖ اﻟﺴﻮدان ورﻳﺎدﺗﻪ وﻛﻞ ﻣﺴﻜﻮن ﺑﺮوح الحياة اﻟﺴﻮداﻧﻴﻪ وﺗﻘﺎﻟﻴﺪﻫﺎ.. ارﺛﻬﺎ الحضاري والمجتمعي ؛ ﻳﺠﺪ اﻟﻘﺎرئ اﻟﻜﺮيم هذه المساهمات ﻣﺒﺴﻮﻃﻪ ﻓﻲ ﺛﻨﺎﻳﺎ اﻟﻌﺪد الاخير ، منها ﻣﺴﺎﻫﻤﺔ اﻟﻌﻼﻣﻪ اﻻﻛﺒﺮ المحقق:
د. ﺟﻌﻔﺮ ﻣﻴﺮﻏﻨﻲ ﻣﻌﺮوﺿﺎ ﻋﻠﻲ ﻣﺎﺋﺪة اﻟﺸﻤﺲ ﻟﻴﺼﻞ ﻣﺎﺿﻲ اﻟﺴﻮدان ﺑﺤﺎﺿﺮه..

مجلة "مذاق خاص"
2020

الكسرة ومائدة الشمس د. جعفر مرغني مجلة "مذاق خاص"

الكسرة ومائدة الشمس
 د. جعفر مرغني
مجلة "مذاق خاص"
   روى هيردوت أبو التاريخ منذ القرن الخامس قبل الميلاد:   
     لما أستولى "قابوس" ملك الفرس على مصر في القرن السادس قبل الميلاد أرسل جواسيسه على هيئة سفارة دبلوماسية إلي مروي ليأتوه بأخبار السودان، خاصة ما تسامع به الناس عن وجود مايسمى "مائدة الشمس" في تلك المدينة السودانية العتيقة. فلما رجع إلي "قابوس" سفراؤه كان مما حدثوه به عن مائدة الشمس" أنها ساحة بظاهر البلد يحرص "الفقهاء" على ملئها بأطباق من صنوف الطعام واللحم المسلوق ليقدم لمن كان بحاجة أو شاءت ظروفه أن يغشاها. فيأكل الناس بغير حساب.
   كان حرياً بالملك الفارسي أن يثير إعجابه مثل ذلك الخبر، فالفرس أهل تدبير وترشيد للصرف ينظرون لكثير من وجوه الكرم المبالغ فيه على أنه خرق وتبذير كما أشار الجاحظ. كما كان خليقاً بكتاب الغرب منذ القرن الثاني للميلادي إلي "هيرن" في القرن التاسع عشر أن يقفوا بين مشكك رواية هيردوت وبين محاول أن يجد تفسيرأً لظاهرة المائدة تقبله أوربا. وقد عز عليهم أن يفهموا كيف يجمع الفقهاء مئات الروؤس من النعم ثم يقدموها طعاماً بغير حساب. كما ظن هيرن أنه ضرب من التجارة الصامتة. يوضع الطعام ليضع من يأكله عوضاً عنه من الذهب والعاج وماشابه. ولعل تولي "الفقهاء" للمهمة هو الذي جعل رجلاً مثل هيرن يذهب إلي ماذهب إليه. لكن كلام هيردوت واضح الابانه عن أن المائدة كانت مفتوحة لمن شاء ولم يقل انها لمن يحضر صنوف التجارات.
         الذي حفظه هيردوت رواية عن سفراء "قابوس" منذ القرن السادس قبل الميلاد في شأن "مائدة الشمس" بمدينة مروي القديمة قد يفهمه جيداً من درس تاريخ السودان الاجتماعي ووعى مادونه صاحب الطبقات وغيره ممن عاصروا عهوداً كان لا يزال السودان فيها أرضاً بكراً  ماغزاها فاجتاحها غريب. فمثل هذه الموائد المفتوحة التي يتولاها الفقهاء كانت تسير جنباً إلي جنب مع رسالتهم التعليمية ومن هنا يكرر  صاحب الطبقات في حق من يؤرخ لهم من رجال التربية والتعليم:- أن فلاناً أو فلاناً " أوقد نار العلم ونار الكرم"، ولا يختلف الوصف عن ما جاء به هيردوت من أنها ساحة واسعة في ظاهر البلد حيث تقوم الخلوة وأنها تستقبل الوراد من كل لون فيطعمون بلا حساب.
     قال في ترجمة الشيخ ادريس ولد الارباب " يقال أن قُداحته التي يقدم فيها الطعام بلغت ستين قدحاً والكسرة مديدة يسوطها الفقراء ومعهم الخدم في البرام شادين في وسطهم المناطق (يعني متحزمين). وفي ترجمة الشيخ حسن ولد حسونة والشيخ بدوي أبودليق أطراف من ذلك. لكن أطرف الحديث ما يرويه صاحب الطبقات في ترجمة "مازري بن التنقار" من أنه سأل شيخه ادريس ود الأرباب عن اسم الله الأعظم. فقال له: حتي يحضر حمد ولدي اديك ما سألتني منه. قال فلما جاء حمد قام الشيخ ادريس استند عليه وعلى مازري – وكان تقدمت به السن- ومشي بينهما حتى دخل بيت النار فوجدوا فيه الحريم الخدم والفقرا ناس الطريق شادين المناطق يسوطوا الكسرة في البرام الضيفان فقال الشيخ ادريس لمازري "وحات الله وحات الرسول ماعندي اسم غير هذه المديدة!
            قال في ترجمة الشيخ عبدالرازق أبوقرون " وكان رضي الله عنه يحث على الكرم ويقول: الكسرة اسم عظيم. ودرع حصين وحجة بلا قسا. وولاية بلا تعب. اليغَلبِو الصيام والقيام اليدٌي الكسرة. وكان يقول: قمنا حتى انضنيننا. وعبدنا حتى انحنينا ما لقينا حتى مُدت يدينا" يعني بالعطايا.
       كان هذا الرزق المبذول يأتي بعد مال الشيخ الخاص من مصدرين: ما تعطيه السلطنة وكانوا يسمونه " الجاه" ويقولون "جوهه" أي أعطاه السلطان كذا وكذا.
   ثم ما يجود به المواطنيين على وجه الهدية ويسمونه "الزيارة" وفي بعض ما يروي صاحب الطبقات من أن الشيخ محمد ودفايد حوار الشيخ ادريس كان يقدم كل عام لزيارة الشيخ من البحر المر وتحضر معه قبايل الشرق عرب أُكد وعرب التاكه وغيرهم يجو دافرين مثل قبايل جهينة في الكثرة منهم من شايل العسل ومنهم من شايل القماش ومنهم من معه الرقيق والابل كل واحد على قدر قدرته. في قصص غير هذه ومع مشايخ أخرين تشهد بتضافر جهود الفقهاء والدولة والشعب في الحفاظ على هذه العادة الأصيلة التي وجدنا أقدم تسجيل لها عند هيردوت منذ القرن الخامس قبل الميلاد فكان تواردهم عليها ناطقاً بمعنى قول لبيد:
من معشر سنُت لهم آباؤهم  **  ولكل قوم سنة وإمامها
حتى تعلَم الناسُ الكنز مع الثراء، والتكسُب بالغلا، وحرمان الفقراء فسبحان مغير الأحوال!
مذاق خاص - 2020
مجلة التغذية والصحة الاولي في السودان

عواسة الكسرة قديماً وحديثا مجلة ""مذاق خاص"

عواسة الكسرة قديماً وحديثا
مجلة ""مذاق خاص"                                                                                                                                                                           مطبخ الشيف إسعاد العبيد
يطلق أهل السودان على الذرة المطحونة بعد إضافة الماء "العجين"، وتختلف مسمياتها في أطوار الصناعة المختلفة بعدة مسميات:
الحالة الأولى: العجين     
قبل أن يخمر يسمى "عجين فطير"
الحالة الثانية: الروّاب
يجزأ فيها العجين إلى كميات صغيرة
الحالة الثالثة: الخمارة
 يخمر العجين في آنية فخارية تسمى الخمارة، وتحولت بمرور الزمن إلى معدنية ويتحول فيها إلى مادة شديدة التركيز، يؤخذ منها للعواسة وهي عملية الصناعة نفسها لإعداد رقائق الكسرة، وهي الخبز الأصلي لأهل السودان وتسمى في مناطق بـ"الرهيفة" وذلك لقوامها الخفيف، بجانب الاشكال الاخري "العصيدة" أو "اللقمة"
التخمير:
تخمير العجين درجات
خمارة التُّكل:
تكون درجة التخمير فيه شديدة المرارة ويعرض لأشعة الشمس خارجياً ويوضع أحياناً على سطح العريشة (الراكوبة)، وفي الغالب تقوم النساء بعملية التخمير من بعد صلاة المغرب وتستمر حتى الصباح
خمارة "الضرا" أو "الراكوبة:"
ينقل منها نسبة من خمارة التُّكل ويضاف لها المزيد من الدقيق الفطير تمهيداً للعواسة. وعادة المتبقي من خمارة "الضرا" يعادُ إلى مزيج خمارة التُّكل
معينات العواسة
الصاج (صاج العواسة):
كان في الماضي من معدن الحديد أو الفولاذ، وقديماً من الفخار، ولتجهيزه يمر بثلاث حالات من المعالجة التجريبية حتى يكون مصقولاً للعواسة وتسمى هذه المراحل التجريبية بتحميس الصاج بطرق عدة تختلف من منطقة لأخرى. وقديماً كان يعالج أيضاً صاج الفخار (الدوكة) أو (القلب) بعدة مراحل من التجربة حتى يكتسب اللون المحروق، أولها عجين الذرة مخلوطاً باللوبياء والعطرون الذي يساعد في إغلاق مسام الفخار، ثم في مرحلة ثانية يحمس بالعجين بعد إضافة الحلبة إليه بسبب أنها تجعل الصاج زلقاً مما يسهل عملية رفع الكسرة من الصاج عند الاستواء.
في الماضي، كانت تنعقد جلسات وطقوس نسائية لهذا الأمر، وغالباً ما تصاحب هذه الطقوس انتقال الزوجة أو العروس من بيت أصهارها "أهل زوجها" إلى منزلها الخاص، وعادة ما يكون ضمن الطقوس (كرامة) الانتقال إلى البيت الجديد مع الأثاث الجديد، وذلك بذبح حيوان صغير وضيافة الشاي والقهوة وتسمى هذه الطقوس بكرامة (بيت العدل)
المعراكة.. التملا:
قطعة من القماش القطني لمسح الصاج عند الانتهاء من عواسة كل قطعة من الكسرة وتسمى (الطَّرَقة) وتجهيز سطحه لخبز طرقة أخرى، وتوضع القطعة في علبة أو إناء من الألومنيوم (كورة) وقد يكون هناك أكثر من قطعة بأحجام مختلفة.
علبة الطايوق:
يوضع فيها قليل من نخاعات الحيوان أو ما يعرف بـ"الطايوق"، وهي تستخدم لمسح سطح الصاج تسهيلاً للعواسة، وهي من موروث أهل السودان في تقديم حلول صحية وطبيعية لأجزاء محددة من الحيوان للقيام بما يلزم دون ترك أثر، حيث يلاحظ أن الرائحة لا تظهر في طعم أو مذاق ونكهة الكسرة
وله عدة استخدامات:
يحفظ فيه نخاع الحيوان (الطايوق))-
 -تُستخدم العلبة كمحدد لحواف طرقة الكسرة تسهيلاً لرفعها من الصاج           
الطايوق نوعان:
طايوق عتيق: هذا النوع فيه درجة أقوى من التخمير ويستخدم دائماً لتسليك الصاج في حال أن تكون أنواع الذرة ثقيلة كالفتريتة والدبر لأن قوام العجين يكون أكثر سماكة، ويقال عند العواسة إن الصاج (يكرن)، فيحتاج إلى الطايوق العتيق الذي يسهل من عملية العواسة.   
طايوق عادي: يستخدم في الأنواع خفيفة القوام من الذرة التي لا تشهد صعوبات في العواسة كذلك يستخدم في عواسة الفطير.
القرقريبة:
تسمى في النوبية (كلو) أي المدية، وهي أداة من أدوات صناعة الكسرة، وهي التي تقوم بفرد العجين على الصاج بنسب متساوية ومتناسقة في السمك على طريقة النسيج، وهي أداة نباتية من الطبيعة تستخرج من أشجار النخيل أو الدوم وتقطع إلى قطع صغيرة تتناسب مع استخدام اليد وتعتق قبل الاستخدام في مزيج من القرض والصمغ والملح مع الماء، وتدفن في حفرة في الأرض على نفس طريقة دباغة الجلود، وتسمى هذه العملية دباغة القرقريبة، ويقال إن أول من فكر في هذه الطريقة هن نساء بربر.
تحذير: تحذر مجلة "مذاق خاص"" ربات البيوت او صانعات الكسرة من تنامي ظاهرة خطيرة وغير صحية وهي استخدام البطاقات البلاستيكية بدلا عن القرقريبة الطبيعية ولايخفي علي الجميع اثار التفاعلات الكيمائية للبلاستيك مع الحرارة وارتفاع معدلات امراض بعينها في الاونة الاخيرة.
المغرافة أو الحنونة:
وهي قرعة صغيرة الحجم للغاية وتستخدم في مناولة العجين وسكبه في صاج العواسة
الطبق:
ويسمى أيضاً (طبق الإيد) فإذا كانت المرأة تستخدم يدها اليمنى بوضع عن يسارها والعكس، لذا سمي بهذا الاسم ليكون في متناول اليد وهو الذي يوضع فيه المنتج النهائي للعواسة "الكسرة"، ومن مواصفاته أن يكون (غريق) أي ليس مسطحاً تحفظ فيه الكمية الأكبر  من الكسرة قبل الأكل وتناول الطعام
يصنع الطبق عادة من سعف شجرة الدوم وهو طبق غير مزين كحال أطباق المائدة الأخرى التي تكون مزينة لأن استخدامه داخلي، وتكون معه عادة قطعة من الدمور وغطاء يحافظ على طبيعة الكسرة حتى لا تجف كما يغطى أيضاً بمشمع أو غطاء معدني.
البنبر:
مقعد لجلوس السيدة التي تقوم بعملية العواسة وصناعة الكسرة ويكون ارتفاعه في مستوى الصاج حتى يكون الوضع مريحاً للقيام بالمهمة، وقديماً كان يصنع من الخشب والحبال مثل العناقريب، مع التطور صار يصنع من الحديد والبلاستيك أو الأنواع الأخرى الحديثة، ويكون معه المقعد أو الطاولة الصغيرة التي يوضع عليها طبق العواسة.
الطرقة (بكسر الطاء):
قطعةٌ من قماش القطن البارد تستخدم لتجفف العرق وهي بمثابة منديل كبير الحجم، وذلك لسخونة أجواء العواسة وارتفاع حرارة المكان والدخان المنبثق من حريق الخشب أو الفحم، وذلك لأن الوقود المستخدم كان في الغالب كُتل الأشجار أو ما تيسر عند الاحتطاب وتطور إلى الفحم النباتي. ومن الأشياء التي تعطي الكسرة طعماً ونكهة طيبة في الماضي نبات الطرفة، وحتى إذا كانت هناك أنواع أخرى للحريق يضاف هذا النوع لأنه يعطي الكسرة نكهة طيبة.
مع تطور الحياة اصبحت هناك خيارات اسهل من العواسة التقليدية للكسرة رغم محافتها علي وضعها بظهور صاجات الغاز والكهرباء وانتشارها وملائمتها لانماط السكن الجديدة واسلوب الحياة وكذلك يوضع بالعجين داخل الثلاجة في حالة عدم الاستخدام اليومي للاحتفاظ به في حالة جيدة عند العواسة بعد ايام وهو امر جيد مع صعوبات الحياة وارتفاع تكاليفها والاهم راحة البال صحيا وغذائيا.
مذاق خاص
مجلة الغذاء والصحة الاولي في السودان
2020

السبت، 8 فبراير 2020

التوازن الغذائي دليل الصحة مع الذرة البيضاء... د.مها عبيد الله مجلة "مذاق خاص"

التوازن الغذائي
 دليل الصحة مع الذرة البيضاء... د.مها عبيد الله
مجلة "مذاق خاص"
إذا كنت ممن لا يقدرون على مزاولة الرياضة البدنية فخيارك الحمية الغذائية
نصيحتي لك أن تضيف الذرة المسلوقة بيضاء كانت أم صفراء إلى جدول غذائك الصحي.
الذرة البيضاء أو كما يطلق عليها الذرة الرفيعة هى حبوب خالية من الجلوتين أو الغلوتين، والجلوتين هو مركب بروتيني موجود بشكل طبيعي في كثير من الحبوب كالقمح والشعير وهو المسئول بالدور الأول عن معظم الآثار الصحية السلبية، أما التشابه في الإسم بين الجلوتين والجلو أو مايعرف بالغراء مرتبط في خاصية اللزوجة و قوة التماسك هذه الخاصية تمنح العجين قوام متماسك مرن سهل التشكيل وهذا سبب رئيسي يجعل أنواع الحبوب المحتوية على الجلوتين أكثر استهلاكا" وتداولا" بسبب مجالها الواسع في عمل المخبوزات المختلفة.
تعتبر مادة الجلوتين مضرة ولكن لبعض الأشخاص كالذين لديهم حساسية من الأطعمة التي تحتوي على هذه المادة فقد تحدث لديهم إستجابة مناعية قد تضر بالإمعاء وينتج عن ذلك عدم إمتصاص للعناصر الغذائية التي يحتاجها الجسم (أرجع إلى العدد الثاني من المجلة / العناصر الغذائية)، كذلك يتسبب الجلوتين في إضطرابات الجهاز الهضمي كالقولون المتهيج، كما وتحتوي حبيبات الجلوتين على نسبة عالية من النشويات والسكريات التي بسهولة يمكن تخمرها بواسطة البكتريا المعوية.
الذرة البيضاء حبوب غنية بالنشا والسيليلوز والألياف الغذائية كما وتحتوي على العناصر المعدنية كالحديد، الكالسيوم، الفسفور والمغنيسيوم وهى عناصر ضرورية في بناء انسجة الجسم ونشاطاته الحيوية وديمومة صحته، كما وتحتوي هذه الذرة على الفيتامينات كفيتامين أ ، فيتامين ج  وايضا" فيتامين ب المركب بما في ذلك حمض الفوليك، كذلك تحتوي على الزيوت والعديد من الأحماض الدهنية.
الفوائد الصحية:
1. تساعد الذرة البيضاء في تطهير جسم الإنسان من السموم بتقليل نسبة الكوليسترول الضار وتخليص الجسم من الفضلات.
2. تساعد في إستقرار ضغط الدم والحد من إرتفاعه عن المستوى الطبيعي.
3. تساعد في تنظيم مستوى السكر في الدم.
4. تساعد في تخفيف المغص الكلوي كذلك تساعد في منع الإصابة بحصوات الكلى وذلك لأنها تلعب دورا" مهما" في تنظيف الكلى وتطهيرها، كما وأنها تعتبر من الأغذية الأساسية المدرة للبول ومنع إحتباس السوائل داخل أنسجة الجسم.
5. تساعد في تقليل إحتمالية الإصابة ببعض أنواع السرطانات كسرطان القولون فهى تعتبر من أفضل المواد الغذائية المهدئة للقولون.
6. تساعد في تعزيز الجهاز المناعي للجسم برفع مناعته ضد الإصابة بكثير من الأمراض.
7. تساعد في تزويد الجسم بالطاقة ومنحه النشاط والحيوية.
8. تساعد في تهدئة الآلام والإلتهابات.
9. تساعد في تقوية العظام والأسنان وذلك لإحتوائها على عنصر الكالسيوم وتلعب دورا" فعالا" في منع الإصابة بهشاشة العظام، كما وأنها تساعد في علاج إلتهابات وآلام المفاصل وتهدئة أعراض النقرس.
10. تمنح الإحساس بالشبع وما يصحبه من تنقيص في الوزن مع الفائدة الغذائية العائدة للجسم مما تحتويه من المواد الغذائية التي سبق ذكرها أعلاه.
11. دقيق الذرة البيضاء يعالج البثور وحروق الشمس.
وأخيرا":
إليك سيدتي الجميلة دقيق الذرة البيضاء يمنح بشرتك النضارة والحيوية، فمثال لمستحضرات الذرة البيضاء الدلكة السودانية من تراثنا الأصيل، كما ويمكنك ايضا" الإستفادة من خلط دقيق الذرة البيضاء مع الفواكه الطبيعية أو الخضروات لعمل ماسك للوجه وأيضا" لدلك البشرة فذلك يغنيك عن المستحضرات الكيمائية الحارقة التي تعمل على ضرر بشرتك.
مذاق خاص 2020
مجلة الغذاء والصحة الاولي في السودان

الثلاثاء، 21 يناير 2020

الذرة.. الطعام المقدس

الذرة.. الطعام المقدس
حيدر التوم خليفة*
مجلة "مذاق خاص"
هناك بعض الذكريات التي تطوف عابرة وتزور بلا استئذان في مواقف لا ارتباط لها بالحالة الماثلة، بعضها كالوحي وبعضها يترى في تكرار لا تفسير له، آخذاً نمطاً واحداً لا يتغير، كما أن بعضها ذكرى تعبّر عن نفسها في المشاهد عصية النسيان.
ومن هذه الذكريات الطائفة.. خيال تلك المرأة، البشوشة الوجه، السمراء اللون، الوسيمة التقاطيع رغم عمرها الذي تجاوز الخمسين (حاجة حواء) وهي تضع على رأسها قطعة قماش ملفوفة بعناية تسمى (وقاية) ومن فوقها تحمل إناءً من الألمونيوم مليئاً بعجين الذرة، لا أزال أتذكرها وهي قادمة من حي "روتو" الشهير بالدويم وهي تدلف إلى منزلنا الكائن في (الحي التحت) الحي الثانى أو (حلة البحر)، وتضع ما تحمل برفق عن رأسها من حمل وتفرغه في (برمة العجين). وبه كيل ملوتين من الذرة عينة (وزن عشرة) أو (ود الفحل) وذلك بعد أن تمت (فندكتها) كما يطلقون عليها، وهي طريقة لمعالجة الذرة وطحنها مائياً. وهي تماثل تماماً عملية الطحن المائي لاستخلاص النِّشا والجلوكوز من الذرة في المصانع الحديثة.
والطحن المائي"Wet Milling" تختلف عن الطحن الجاف "Dry Milling". فبينما نجد أن الطحن الجاف يتم فيه طحن الحبوب كاملة وهي جافة (قبل أو بعد إزالة قشرتها) بواسطة الطاحونة ذات الحجرين أو في داخل البيوت عن طريق المرحاكة.. وهي طحن الحبوب بين حجرين، أحدهما كبير وهو ثابت على الأرض.. والآخر صغير وهو متحرك تتم به عملية الطحين.
أما الطحن المائي فيتم فيه إغراق الحبوب كاملة في الماء لمدة لا تقل عن نهار كامل ومن ثم طحنها بالمرحاكة أو دقها على (الفندك).. مع إضافة قليل من الماء لاستخلاص عجينة الذرة (في صناعة النِّشا والجلوكوز يسمى حليب الذرة) وفرزها عن القشرة (الردة).. كل ذلك مترافقاً مع تصفيتها من الشوائب.. ويكون الناتج عجيناً فائق النعومة.. ولكن رغم هذا فهي لا تصل إلى نعومة (حليب المريسة) إذ تتم هنا إزالة الشوائب بالتصفية عن طريق قطعة قماش ناعمة تسمى (الصفاية).
أذكر أنها كانت تتقاضى قرشين عن الملوتين (ما يسمى بالربع أو نصف الكيلة)، أي قرش لكل ملوة ذرة طحين.. مع شمول هذا حمل هذه الكمية لمسافة تزيد عن الثلاثة كيلومترات ذهاباً وبعدها إياباً، إذ إن "حي روتو" يقع في الجزء الجنوبي الغربي من مدينة الدويم. وقد عرف بأن معظم قاطنيه هم قبائل الفلاتة التي تمتهن العديد من الأعمال والمهن، وكان إعداد العجين ضمن هذه المهن. وما زلت أذكر قطع الـ"قدو قدو" الحمراء والصفراء الصغيرة وهي تخرج من أطراف فمها، في حركة مضغ دائم لها.
في ذلك الزمن ولوقت قريب مثلث الذرة الغذاء الرئيسي لأهل السودان، خاصة وسط السودان والجنوب والشرق، لأن غرب السودان انتشرت فيه زراعة واستهلاك الدخن كمحصول رئيسي، بينما الشمال اشتهر بالقمح أيضاً مع وجود الذرة (الماريق).
وكانت الذرة هي المادة الرئيسية لصناعة الكسرة (الرهيفة أو السن سن)، إضافة إلى العصيدة وقراصة الذرة وهي في الغالب الأعم تصنع لنزلاء السجون. كما يشمل استعمالات الذرة مشروبات الـ"حلومر" و"الآبري الأبيض" و"المريسة" و"البقنية"، (العرقي المقطر) (عرقي العيش).. إضافة إلى استعمالات أخرى، إذ يدخل في إعداد بعض المواد الخاصة بعطور النساء. كما ظل يمثل الغذاء الرئيسي للحيوان بأنواعه.
وقديماً إذا كانت الكسرة والعصيدة هي الغذاء الرئيسي لسكان الوسط والشرق في السودان، فإن "المريسة" تمثل الغذاء الرئيسي للعديد من سكان الجنوب والجبال وبعض قبائل التماس مع الجنوب.. وكلمة "مريسة" ذات أصل كوشي من مقطعين هما "مري واسي".. (أي ماء الذرة).. "مري" تعني ذرة ومنها ماريق وتعني الذرة عند الشايقية.. وقديما تسمى السودانيون باسم شعب المور، نسبة إلى اعتمادهم على الذرة في غذائهم.. وقد انتقلت هذه الكلمة إلى بعض اللغات الأخرى. فهي تعني النبات المقدس لأن كلمة (مار) تعني مقدس أو إلهي ومنها "مار جرجس" أي القديس جرجس وجبل مرة (مارا) أي الجبل المقدس، هذا علماً بأن معظم أنواع الذرة معروفة منذ القدم في السودان، كالذرة الرفيعة بأنواعها المختلفة البيضاء والسمراء والحمراء. إضافة إلى الصفراء المسماة بالشامية وتعرف في السودان بـ(عيش الريف). وقد ترك هذا النبات المقدس أثراً بارزاً في حياة السودانيين وثقافاتهم قديماً وحديثاً، إذ مثلت الذرة وإنتاجها مصدر فخر وثراء للمجموعات المنتجة لها، وذلك لأن الذرة من المحاصيل الإستراتيجية ذات الأهمية البالغة والمؤثرة اقتصادياً، ولعلنا نذكر التأثير الاقتصادي الكبير لما يسمى بحزام الذرة الأمريكي الذي يشمل حوالي تسع ولايات أمريكية، ولعل أهمها آيوا وإلينوي وإنديانا وأوهايو وميتشجان ونبراسكا... الخ.
وتذهب بعض التفاسير التاريخية إلى أن اسم أمريكا نفسها مأخوذ من كلمة مري (ذرة) الكوشية، إذ إنها أكبر دولة منتجة للذرة في العالم ويقارب إنتاجها الـ(400) ألف طن في العام متفوقة على الصين والاتحاد الأوروبي والأرجنتين مجتمعة.
حتى بدايات القرن الماضي لم تكن الحياة ذات طبيعة سهلة في السودان كما يتخيلها الناس، فلم تكن هناك وظائف تذكر، والاقتصاد ما زال رعوياً في أغلبه، وزراعياً تقليدياً في معظم جوانبه يهدف إلى الاكتفاء الذاتي. والتجارة كان يغلب عليها التبادل السلعي. أما صناعياً فقد كانت الصناعات المنزلية هي سيدة الموقف، مثل صناعات الدمور والصوف وفتل الحبال وصناعة البروش والفخار وتجفيف الأسماك، إضافة إلى صناعات الألبان مثل السمن و"الروب"، مع تربية الحمام والدجاج والماعز والضأن وبعض النشاطات المتعلقة برعي الحيوان.
كانت المدينة محاطة بالأراضي الزراعية.. وتسمى زراعة البلدات، حيث كان الغرض منها توفير السلعة لملاك الأرض وبيع ما تبقى من عيوش إلى تجار المدن في أسواق العيش (زريبة العيش).. وفي الدويم كانت الزريبة تقع بالقرب من مرسى السفن، وذلك لسهولة الشحن على المراكب الكبيرة وصنادل وبواخر البضائع التي تجوب النيل الأبيض شمالاً وجنوباً.
كنا ونحن صغار، عندما نرغب في ممارسة هواية صيد الطيور نأخذ (أشراكنا) المصنوعة من العصب و(القلوبيات) المصنوعة من الحديد ونقوم بنصبها بالقرب من الزريبة، حيث كانت مرتعاً للعديد من الطيور خاصة الصغيرة منها.. وكنا نغني لها بعض الأغاني مثل: (يا قدالي هب هب.. شركك عالي.. هب هب).. إيماناً منا بأن ذلك يدعوها للنزول مباشرة على أشراكنا.
الكسرة لم تكن تباع إلا نادراً (وإنما كانت تطلب من الجيران)، فهي متوفرة بكثرة في أي بيت وفي أي وقت.. والذرة المستعملة بكثرة في الكسرة والعصيدة هي "الفتريتة" لأغلب الناس خاصة الفقراء وتمتاز "الفتريتة" بحلاوتها وغناها بالسكروز. أما الذرة الرفيعة البيضاء مثل "ود الفحل" و"وزن عشرة" ذات الحبة الكبيرة فهي منتشرة بين سكان المدن وبصورة كبيرة بين ميسوري الحال.
و"الفتريتة" لون كسرتها أقرب إلى البنفسج، أما الأخرى فتكون كسرتها بيضاء (لمحتوى النشا المستخلص منها).
كما ذكرت، فإن بيع الكسرة لم يكن مألوفاً ومنتشراً قديماً، وكانت لا تباع إلا ضمن ما يقدم من أكل داخل المطاعم مرافقة للعديد من أنواع الأكل خاصة ما يسمى بـ(الأكل البلدي).. ومن ممن عاش في الدويم لم يتناول البلدي في مطاعم الأعمام "بشير" أو "عوض ريد" أو "حسن الزبير" وخلافهم "عليهم الرحمة" أو لم يتوقف عند مطعم "بقادي" بالشيخ الصديق في طريق ذهابه وإيابه إلى ومن الخرطوم!
ونسبة لأن الذرة تعدّ طعاماً مقدساً فقد ارتبطت قديماً بالمناسبات، خاصة الأفراح إذ كان ماؤها يقدّم في المناسبات في شكل "مريسة" أو "بقنية". وكما ذكرت فإن "المريسة" هي بمثابة الشراب المقدس أو شراب الآلهة. فقد وجدت جرارها مدفونة في داخل المعابد وفي المدافن، وحديثاً احتار السودانيون في توصيف "المريسة" وهل هي خمر أم مجرد غذاء!!
وأذكر وأنا صغير، أنني كنت كثير الأسئلة وكنت أتابع والدتي بالأسئلة المتلاحقة، التي كانت تجيب عنها بصبر عجيب.. ومن الأجوبة التي ما زالت محفورة في ذاكرتي أنني سألتها يوماً عن جيراننا الذين يصنعون "المريسة" ويسكنون في بيت يعرف بـ(حوش البقر)، وعرفت لاحقاً أنه يطلق عليه لقب (الطلمبة).. وذلك بعد أن ذهبت إليهم واستجلبت منهم "عليقة" لخروف العيد (مشق أو مشك) وهي "تفل" الذرة بعد تصفية "المريسة" منه، وأعتقد أنها (مشق) لاعتقادي أن الكلمة كوشية يستعملها بقاياهم من قبائل.. خاصة قبيلة الشايقية التي يختم أفرادها الكلمات دائماً بحرف القاف (واسوق، ماريق، دفيق، كوريق، نوريق... الخ). علماً بأن قلبَ القاف كافاً ما زال موجوداً في اللغة العربية، فنحن نقول (كتل) بدلاً عن (قتل) و(مكة) بدلاً من (مقة)، ومقة هو إله القمر القديم وهو إله الكوشيين (أمون) الذي يرمز إليه خطأ بالشمس. كنت قد سألت والدتي عن كلمات سمعتها من العم عبد الرحمن الرباطابي سيد الدكان (هكذا كنا نسميه) "عليه الرحمة"، وهي أن هؤلاء قروشهم قروش حرام لأنهم يصنعون "المريسة"، وعلماً بأنني كنت وقتها لا أعي معنى حلال وحرام ولكن ارتبط المعنى في مخيلتي بالعيب، إذ إننا كنا دائماً ما نُزجر عن فعل الأشياء المشينة بتغليفها بكلمة (عيب)، سكن هذا في عقلي فترة طويلة، وبعدها بعدة سنوات كنت اسألها عن إحدى عائلات المدينة الكريمة، فأفادتني بأن هؤلاء من أخيار البلد ولكنها ختمت كلامها بجملة وقفت عندها طويلاً.. إذ قالت لي: (ديل كانت شَدَّتهم يوم الاتنين)، وعندما استوضحتها عن ذلك أشارت إلى أنهم يصنعون "المريسة" ويبيعونها يوم (الاثنين) فتساءلت مستنكراً: (ولكنهم عائلة محترمة؟!)، قالت لي: (يا ولدي أسه بيع الكسرة واللقيمات عيب؟)، فأجبت: (لا طبعاً.. فقالت: (المريسة زمان كانت قوت الناس، وصناعة المريسة وبيعها لم يكن عيباً وما كان في وظائف ولا شغل)! ففهمت ما غاب عني وعلمت أنها كانت قوتاً ولم تكن خمراً، فقد كانت إحدى ثقافات الغذاء وتقدم في المناسبة (بصحبة البقنية)، كما يقدم البارد اليوم من مشروبات غازية (بيبسي، كولا،  فيمتو.. الخ).
و(البقنية) أشبه بعصير مطحون الذرة، وتمتاز بأنها قليلة التخمر من (المريسة)، وتُشرب للاستقواء بها و"قطع العطش" كما يقولون، إضافة إلى كونها غذاءً مفيداً.
وتمتاز المشروبات المستخلصة من الذرة (خاصة الفتريتة) باحتوائها على نسبة عالية من النشويات والسكريات والأملاح والألياف، والعديد  من الفيتامينات والمعادن كالكالسيوم والحديد والمغنسيوم والنحاس والصوديوم.. الخ.
كما تحتوي على الأحماض الدهنية والفوليك والدهون والبروتينات، كما تمتاز مشروبات الذرة المنبتة بقدرتها على تنظيف الكليتين من الحصاوى ومنع الأمراض المرتبطة خاصة الفشل الكلوي، إذ إن تناولها يؤدي إلى كثرة التبول وزيادة كميته وبالتالي تنظيف الجسم والكلى من السموم.
هذا الأمر أدى إلى أن يدعي كثير من الناس (وهو قول يحمل الكثير من الصدقية) أن انتشار الأمراض الحديثة من سكري وضغط وفشل كلوي وسرطانات في السودان أخيراً مرده إلى التخلي عن تناول الأطعمة والمشروبات المصنوعة من الذرة، مثلاً نجد أن (المريسة) تصنع من الذرة النابتة (الزريعة)، وهي تمثل خلايا جذعية أولية للبنات الجديد مشحونة بكمية هائلة من الطاقة الكهرومغناطيسية (لحاجة النبات نفسه لها لعملية الإنبات)، وعادة ما نجد أن الأغذية المنبتة تحتوي على مواد تصل إلى ستة أو عشرة أضعاف الفائدة المرجوة من النباتات غير المنبتة، فمثلاً قد تزداد كمية فيتامين (سي) في (زريعة الذرة) إلى ثمانية أضعاف كميته من الذرة العادية.
لهذا يعتقد كثير من العلماء نتيجة لدراسات عديدة أن الأغذية المنبتة لها القدرة على مكافحة الخلايا الحرة المسببة للسرطانات والعديد من الأمراض، ويستدل البعض بأن القبائل التي ما زالت تعتمد بصورة كبيرة على "المريسة" المستخلصة من الذرة المنبتة في غذائها (قبائل جنوب السودان مثلاً) لا يعرف أفرادها الأمراض المنتشرة اليوم مثل الضغط والسكري، وتكاد أن تنعدم فيها أمراض السرطان والفشل الكلوي.
من الصناعات الغذائية المهمة جداً التي تعتمد على الذرة بأنواعها بشكل كامل هي صناعة النِّشا والجلوكوز، إذ يتم فيها استخلاص مادة النِّشا ذات الاستعمالات المتعددة، (يدخل النِّشا في تركيب ما يزيد عن 80 صناعة ابتداءً من الكاسترد وانتهاءً بالمتفجرات)، إضافة إلى استخلاص المواد المستعملة في صناعة الحلويات والغذائيات مثل الجلوكوز (نسبة تركيزه 81% للسكر) والسكروز (نسبة تركيزه 100%) والفركتوز (نسبة تركيزه 110% للسكر)، وهي صناعة تتم فيها الاستفادة من حبة الذرة بالكامل.. إذ يستخلص من مكونات النِّشا البيضاء التي بداخلها ما يسمى بحليب الذرة، ومنه يستخلص النِّشا والجلوكوز حسب النسبة المطلوبة صناعياً.
ومن نواة الحبة الناتجة بعد الطحن المائي يستخلص واحد من أجود أنواع الزيوت في العالم.. وهو زيت عالي النقاء وكثيف القوام ويستعمل في صناعه الجلسرين، هذا إضافة إلى أن القشرة الخارجية (الردة) تعدّ من أجود أنواع الأعلاف للحيوان بأنواعه.
لهذا فإن الذرة ولسهولة زراعتها ومواءمتها لمناخ السودان تعدّ غذاءً إستراتيجياً يغنيك عن إملاءات أباطرة الغذاء.. وأذكر مرة وقبل حوالي ثلاثة أعوام أن كنت بالجارة إثيوبيا في رحلة عمل.. قابلت خلالها مجموعة من الوزراء، وأذكر أن أحدهم حكى لي حادثة كان لها عظيم الأثر على الشعب الإثيوبي بعد الثورة .. وذلك تعليقاً على ملاحظتي التي جاءت أثناء حديثي معه بأن وجبة (اللانجيرا) ما زالت تمثل الغذاء الرئيسي للشعب الإثيوبي، فقال لي إنه وبعد انتصار الثورة على نظام منقستو هايلي مريام.. كانوا بالسودان وقتها.. وقد استدعتهم الرئاسة السودانية (هو والرئيس مليس زيناوي وآخر)، وقدمت إليهم بعض النصائح، وكان إحداها أن لا يتخلوا عن وجبتهم الوطنية، وأن لا يتحولوا إلى دقيق القمح.. وقد اتبعوا هذه النصيحة وحافظوا على (اللانجيرا) المصنوعة من الذرة في غذائهم إلى اليوم.. وقلت في سري: ليت الناصحين فعلوا في أنفسهم ما نصحوا به الآخرين.. إذ لو ظل السودانيون على وجبتهم الرئيسية المصنوعة من الذرة لما كانت لديهم اليوم مشاكل دقيق أو خبز أو صفوف.
*خبير وعضو الهيئة الاستشارية للمجلة
مجلة "مذاق خاص""
عدد الفصل الرابع 2019