السبت، 8 فبراير 2020

التوازن الغذائي دليل الصحة مع الذرة البيضاء... د.مها عبيد الله مجلة "مذاق خاص"

التوازن الغذائي
 دليل الصحة مع الذرة البيضاء... د.مها عبيد الله
مجلة "مذاق خاص"
إذا كنت ممن لا يقدرون على مزاولة الرياضة البدنية فخيارك الحمية الغذائية
نصيحتي لك أن تضيف الذرة المسلوقة بيضاء كانت أم صفراء إلى جدول غذائك الصحي.
الذرة البيضاء أو كما يطلق عليها الذرة الرفيعة هى حبوب خالية من الجلوتين أو الغلوتين، والجلوتين هو مركب بروتيني موجود بشكل طبيعي في كثير من الحبوب كالقمح والشعير وهو المسئول بالدور الأول عن معظم الآثار الصحية السلبية، أما التشابه في الإسم بين الجلوتين والجلو أو مايعرف بالغراء مرتبط في خاصية اللزوجة و قوة التماسك هذه الخاصية تمنح العجين قوام متماسك مرن سهل التشكيل وهذا سبب رئيسي يجعل أنواع الحبوب المحتوية على الجلوتين أكثر استهلاكا" وتداولا" بسبب مجالها الواسع في عمل المخبوزات المختلفة.
تعتبر مادة الجلوتين مضرة ولكن لبعض الأشخاص كالذين لديهم حساسية من الأطعمة التي تحتوي على هذه المادة فقد تحدث لديهم إستجابة مناعية قد تضر بالإمعاء وينتج عن ذلك عدم إمتصاص للعناصر الغذائية التي يحتاجها الجسم (أرجع إلى العدد الثاني من المجلة / العناصر الغذائية)، كذلك يتسبب الجلوتين في إضطرابات الجهاز الهضمي كالقولون المتهيج، كما وتحتوي حبيبات الجلوتين على نسبة عالية من النشويات والسكريات التي بسهولة يمكن تخمرها بواسطة البكتريا المعوية.
الذرة البيضاء حبوب غنية بالنشا والسيليلوز والألياف الغذائية كما وتحتوي على العناصر المعدنية كالحديد، الكالسيوم، الفسفور والمغنيسيوم وهى عناصر ضرورية في بناء انسجة الجسم ونشاطاته الحيوية وديمومة صحته، كما وتحتوي هذه الذرة على الفيتامينات كفيتامين أ ، فيتامين ج  وايضا" فيتامين ب المركب بما في ذلك حمض الفوليك، كذلك تحتوي على الزيوت والعديد من الأحماض الدهنية.
الفوائد الصحية:
1. تساعد الذرة البيضاء في تطهير جسم الإنسان من السموم بتقليل نسبة الكوليسترول الضار وتخليص الجسم من الفضلات.
2. تساعد في إستقرار ضغط الدم والحد من إرتفاعه عن المستوى الطبيعي.
3. تساعد في تنظيم مستوى السكر في الدم.
4. تساعد في تخفيف المغص الكلوي كذلك تساعد في منع الإصابة بحصوات الكلى وذلك لأنها تلعب دورا" مهما" في تنظيف الكلى وتطهيرها، كما وأنها تعتبر من الأغذية الأساسية المدرة للبول ومنع إحتباس السوائل داخل أنسجة الجسم.
5. تساعد في تقليل إحتمالية الإصابة ببعض أنواع السرطانات كسرطان القولون فهى تعتبر من أفضل المواد الغذائية المهدئة للقولون.
6. تساعد في تعزيز الجهاز المناعي للجسم برفع مناعته ضد الإصابة بكثير من الأمراض.
7. تساعد في تزويد الجسم بالطاقة ومنحه النشاط والحيوية.
8. تساعد في تهدئة الآلام والإلتهابات.
9. تساعد في تقوية العظام والأسنان وذلك لإحتوائها على عنصر الكالسيوم وتلعب دورا" فعالا" في منع الإصابة بهشاشة العظام، كما وأنها تساعد في علاج إلتهابات وآلام المفاصل وتهدئة أعراض النقرس.
10. تمنح الإحساس بالشبع وما يصحبه من تنقيص في الوزن مع الفائدة الغذائية العائدة للجسم مما تحتويه من المواد الغذائية التي سبق ذكرها أعلاه.
11. دقيق الذرة البيضاء يعالج البثور وحروق الشمس.
وأخيرا":
إليك سيدتي الجميلة دقيق الذرة البيضاء يمنح بشرتك النضارة والحيوية، فمثال لمستحضرات الذرة البيضاء الدلكة السودانية من تراثنا الأصيل، كما ويمكنك ايضا" الإستفادة من خلط دقيق الذرة البيضاء مع الفواكه الطبيعية أو الخضروات لعمل ماسك للوجه وأيضا" لدلك البشرة فذلك يغنيك عن المستحضرات الكيمائية الحارقة التي تعمل على ضرر بشرتك.
مذاق خاص 2020
مجلة الغذاء والصحة الاولي في السودان

الثلاثاء، 21 يناير 2020

الذرة.. الطعام المقدس

الذرة.. الطعام المقدس
حيدر التوم خليفة*
مجلة "مذاق خاص"
هناك بعض الذكريات التي تطوف عابرة وتزور بلا استئذان في مواقف لا ارتباط لها بالحالة الماثلة، بعضها كالوحي وبعضها يترى في تكرار لا تفسير له، آخذاً نمطاً واحداً لا يتغير، كما أن بعضها ذكرى تعبّر عن نفسها في المشاهد عصية النسيان.
ومن هذه الذكريات الطائفة.. خيال تلك المرأة، البشوشة الوجه، السمراء اللون، الوسيمة التقاطيع رغم عمرها الذي تجاوز الخمسين (حاجة حواء) وهي تضع على رأسها قطعة قماش ملفوفة بعناية تسمى (وقاية) ومن فوقها تحمل إناءً من الألمونيوم مليئاً بعجين الذرة، لا أزال أتذكرها وهي قادمة من حي "روتو" الشهير بالدويم وهي تدلف إلى منزلنا الكائن في (الحي التحت) الحي الثانى أو (حلة البحر)، وتضع ما تحمل برفق عن رأسها من حمل وتفرغه في (برمة العجين). وبه كيل ملوتين من الذرة عينة (وزن عشرة) أو (ود الفحل) وذلك بعد أن تمت (فندكتها) كما يطلقون عليها، وهي طريقة لمعالجة الذرة وطحنها مائياً. وهي تماثل تماماً عملية الطحن المائي لاستخلاص النِّشا والجلوكوز من الذرة في المصانع الحديثة.
والطحن المائي"Wet Milling" تختلف عن الطحن الجاف "Dry Milling". فبينما نجد أن الطحن الجاف يتم فيه طحن الحبوب كاملة وهي جافة (قبل أو بعد إزالة قشرتها) بواسطة الطاحونة ذات الحجرين أو في داخل البيوت عن طريق المرحاكة.. وهي طحن الحبوب بين حجرين، أحدهما كبير وهو ثابت على الأرض.. والآخر صغير وهو متحرك تتم به عملية الطحين.
أما الطحن المائي فيتم فيه إغراق الحبوب كاملة في الماء لمدة لا تقل عن نهار كامل ومن ثم طحنها بالمرحاكة أو دقها على (الفندك).. مع إضافة قليل من الماء لاستخلاص عجينة الذرة (في صناعة النِّشا والجلوكوز يسمى حليب الذرة) وفرزها عن القشرة (الردة).. كل ذلك مترافقاً مع تصفيتها من الشوائب.. ويكون الناتج عجيناً فائق النعومة.. ولكن رغم هذا فهي لا تصل إلى نعومة (حليب المريسة) إذ تتم هنا إزالة الشوائب بالتصفية عن طريق قطعة قماش ناعمة تسمى (الصفاية).
أذكر أنها كانت تتقاضى قرشين عن الملوتين (ما يسمى بالربع أو نصف الكيلة)، أي قرش لكل ملوة ذرة طحين.. مع شمول هذا حمل هذه الكمية لمسافة تزيد عن الثلاثة كيلومترات ذهاباً وبعدها إياباً، إذ إن "حي روتو" يقع في الجزء الجنوبي الغربي من مدينة الدويم. وقد عرف بأن معظم قاطنيه هم قبائل الفلاتة التي تمتهن العديد من الأعمال والمهن، وكان إعداد العجين ضمن هذه المهن. وما زلت أذكر قطع الـ"قدو قدو" الحمراء والصفراء الصغيرة وهي تخرج من أطراف فمها، في حركة مضغ دائم لها.
في ذلك الزمن ولوقت قريب مثلث الذرة الغذاء الرئيسي لأهل السودان، خاصة وسط السودان والجنوب والشرق، لأن غرب السودان انتشرت فيه زراعة واستهلاك الدخن كمحصول رئيسي، بينما الشمال اشتهر بالقمح أيضاً مع وجود الذرة (الماريق).
وكانت الذرة هي المادة الرئيسية لصناعة الكسرة (الرهيفة أو السن سن)، إضافة إلى العصيدة وقراصة الذرة وهي في الغالب الأعم تصنع لنزلاء السجون. كما يشمل استعمالات الذرة مشروبات الـ"حلومر" و"الآبري الأبيض" و"المريسة" و"البقنية"، (العرقي المقطر) (عرقي العيش).. إضافة إلى استعمالات أخرى، إذ يدخل في إعداد بعض المواد الخاصة بعطور النساء. كما ظل يمثل الغذاء الرئيسي للحيوان بأنواعه.
وقديماً إذا كانت الكسرة والعصيدة هي الغذاء الرئيسي لسكان الوسط والشرق في السودان، فإن "المريسة" تمثل الغذاء الرئيسي للعديد من سكان الجنوب والجبال وبعض قبائل التماس مع الجنوب.. وكلمة "مريسة" ذات أصل كوشي من مقطعين هما "مري واسي".. (أي ماء الذرة).. "مري" تعني ذرة ومنها ماريق وتعني الذرة عند الشايقية.. وقديما تسمى السودانيون باسم شعب المور، نسبة إلى اعتمادهم على الذرة في غذائهم.. وقد انتقلت هذه الكلمة إلى بعض اللغات الأخرى. فهي تعني النبات المقدس لأن كلمة (مار) تعني مقدس أو إلهي ومنها "مار جرجس" أي القديس جرجس وجبل مرة (مارا) أي الجبل المقدس، هذا علماً بأن معظم أنواع الذرة معروفة منذ القدم في السودان، كالذرة الرفيعة بأنواعها المختلفة البيضاء والسمراء والحمراء. إضافة إلى الصفراء المسماة بالشامية وتعرف في السودان بـ(عيش الريف). وقد ترك هذا النبات المقدس أثراً بارزاً في حياة السودانيين وثقافاتهم قديماً وحديثاً، إذ مثلت الذرة وإنتاجها مصدر فخر وثراء للمجموعات المنتجة لها، وذلك لأن الذرة من المحاصيل الإستراتيجية ذات الأهمية البالغة والمؤثرة اقتصادياً، ولعلنا نذكر التأثير الاقتصادي الكبير لما يسمى بحزام الذرة الأمريكي الذي يشمل حوالي تسع ولايات أمريكية، ولعل أهمها آيوا وإلينوي وإنديانا وأوهايو وميتشجان ونبراسكا... الخ.
وتذهب بعض التفاسير التاريخية إلى أن اسم أمريكا نفسها مأخوذ من كلمة مري (ذرة) الكوشية، إذ إنها أكبر دولة منتجة للذرة في العالم ويقارب إنتاجها الـ(400) ألف طن في العام متفوقة على الصين والاتحاد الأوروبي والأرجنتين مجتمعة.
حتى بدايات القرن الماضي لم تكن الحياة ذات طبيعة سهلة في السودان كما يتخيلها الناس، فلم تكن هناك وظائف تذكر، والاقتصاد ما زال رعوياً في أغلبه، وزراعياً تقليدياً في معظم جوانبه يهدف إلى الاكتفاء الذاتي. والتجارة كان يغلب عليها التبادل السلعي. أما صناعياً فقد كانت الصناعات المنزلية هي سيدة الموقف، مثل صناعات الدمور والصوف وفتل الحبال وصناعة البروش والفخار وتجفيف الأسماك، إضافة إلى صناعات الألبان مثل السمن و"الروب"، مع تربية الحمام والدجاج والماعز والضأن وبعض النشاطات المتعلقة برعي الحيوان.
كانت المدينة محاطة بالأراضي الزراعية.. وتسمى زراعة البلدات، حيث كان الغرض منها توفير السلعة لملاك الأرض وبيع ما تبقى من عيوش إلى تجار المدن في أسواق العيش (زريبة العيش).. وفي الدويم كانت الزريبة تقع بالقرب من مرسى السفن، وذلك لسهولة الشحن على المراكب الكبيرة وصنادل وبواخر البضائع التي تجوب النيل الأبيض شمالاً وجنوباً.
كنا ونحن صغار، عندما نرغب في ممارسة هواية صيد الطيور نأخذ (أشراكنا) المصنوعة من العصب و(القلوبيات) المصنوعة من الحديد ونقوم بنصبها بالقرب من الزريبة، حيث كانت مرتعاً للعديد من الطيور خاصة الصغيرة منها.. وكنا نغني لها بعض الأغاني مثل: (يا قدالي هب هب.. شركك عالي.. هب هب).. إيماناً منا بأن ذلك يدعوها للنزول مباشرة على أشراكنا.
الكسرة لم تكن تباع إلا نادراً (وإنما كانت تطلب من الجيران)، فهي متوفرة بكثرة في أي بيت وفي أي وقت.. والذرة المستعملة بكثرة في الكسرة والعصيدة هي "الفتريتة" لأغلب الناس خاصة الفقراء وتمتاز "الفتريتة" بحلاوتها وغناها بالسكروز. أما الذرة الرفيعة البيضاء مثل "ود الفحل" و"وزن عشرة" ذات الحبة الكبيرة فهي منتشرة بين سكان المدن وبصورة كبيرة بين ميسوري الحال.
و"الفتريتة" لون كسرتها أقرب إلى البنفسج، أما الأخرى فتكون كسرتها بيضاء (لمحتوى النشا المستخلص منها).
كما ذكرت، فإن بيع الكسرة لم يكن مألوفاً ومنتشراً قديماً، وكانت لا تباع إلا ضمن ما يقدم من أكل داخل المطاعم مرافقة للعديد من أنواع الأكل خاصة ما يسمى بـ(الأكل البلدي).. ومن ممن عاش في الدويم لم يتناول البلدي في مطاعم الأعمام "بشير" أو "عوض ريد" أو "حسن الزبير" وخلافهم "عليهم الرحمة" أو لم يتوقف عند مطعم "بقادي" بالشيخ الصديق في طريق ذهابه وإيابه إلى ومن الخرطوم!
ونسبة لأن الذرة تعدّ طعاماً مقدساً فقد ارتبطت قديماً بالمناسبات، خاصة الأفراح إذ كان ماؤها يقدّم في المناسبات في شكل "مريسة" أو "بقنية". وكما ذكرت فإن "المريسة" هي بمثابة الشراب المقدس أو شراب الآلهة. فقد وجدت جرارها مدفونة في داخل المعابد وفي المدافن، وحديثاً احتار السودانيون في توصيف "المريسة" وهل هي خمر أم مجرد غذاء!!
وأذكر وأنا صغير، أنني كنت كثير الأسئلة وكنت أتابع والدتي بالأسئلة المتلاحقة، التي كانت تجيب عنها بصبر عجيب.. ومن الأجوبة التي ما زالت محفورة في ذاكرتي أنني سألتها يوماً عن جيراننا الذين يصنعون "المريسة" ويسكنون في بيت يعرف بـ(حوش البقر)، وعرفت لاحقاً أنه يطلق عليه لقب (الطلمبة).. وذلك بعد أن ذهبت إليهم واستجلبت منهم "عليقة" لخروف العيد (مشق أو مشك) وهي "تفل" الذرة بعد تصفية "المريسة" منه، وأعتقد أنها (مشق) لاعتقادي أن الكلمة كوشية يستعملها بقاياهم من قبائل.. خاصة قبيلة الشايقية التي يختم أفرادها الكلمات دائماً بحرف القاف (واسوق، ماريق، دفيق، كوريق، نوريق... الخ). علماً بأن قلبَ القاف كافاً ما زال موجوداً في اللغة العربية، فنحن نقول (كتل) بدلاً عن (قتل) و(مكة) بدلاً من (مقة)، ومقة هو إله القمر القديم وهو إله الكوشيين (أمون) الذي يرمز إليه خطأ بالشمس. كنت قد سألت والدتي عن كلمات سمعتها من العم عبد الرحمن الرباطابي سيد الدكان (هكذا كنا نسميه) "عليه الرحمة"، وهي أن هؤلاء قروشهم قروش حرام لأنهم يصنعون "المريسة"، وعلماً بأنني كنت وقتها لا أعي معنى حلال وحرام ولكن ارتبط المعنى في مخيلتي بالعيب، إذ إننا كنا دائماً ما نُزجر عن فعل الأشياء المشينة بتغليفها بكلمة (عيب)، سكن هذا في عقلي فترة طويلة، وبعدها بعدة سنوات كنت اسألها عن إحدى عائلات المدينة الكريمة، فأفادتني بأن هؤلاء من أخيار البلد ولكنها ختمت كلامها بجملة وقفت عندها طويلاً.. إذ قالت لي: (ديل كانت شَدَّتهم يوم الاتنين)، وعندما استوضحتها عن ذلك أشارت إلى أنهم يصنعون "المريسة" ويبيعونها يوم (الاثنين) فتساءلت مستنكراً: (ولكنهم عائلة محترمة؟!)، قالت لي: (يا ولدي أسه بيع الكسرة واللقيمات عيب؟)، فأجبت: (لا طبعاً.. فقالت: (المريسة زمان كانت قوت الناس، وصناعة المريسة وبيعها لم يكن عيباً وما كان في وظائف ولا شغل)! ففهمت ما غاب عني وعلمت أنها كانت قوتاً ولم تكن خمراً، فقد كانت إحدى ثقافات الغذاء وتقدم في المناسبة (بصحبة البقنية)، كما يقدم البارد اليوم من مشروبات غازية (بيبسي، كولا،  فيمتو.. الخ).
و(البقنية) أشبه بعصير مطحون الذرة، وتمتاز بأنها قليلة التخمر من (المريسة)، وتُشرب للاستقواء بها و"قطع العطش" كما يقولون، إضافة إلى كونها غذاءً مفيداً.
وتمتاز المشروبات المستخلصة من الذرة (خاصة الفتريتة) باحتوائها على نسبة عالية من النشويات والسكريات والأملاح والألياف، والعديد  من الفيتامينات والمعادن كالكالسيوم والحديد والمغنسيوم والنحاس والصوديوم.. الخ.
كما تحتوي على الأحماض الدهنية والفوليك والدهون والبروتينات، كما تمتاز مشروبات الذرة المنبتة بقدرتها على تنظيف الكليتين من الحصاوى ومنع الأمراض المرتبطة خاصة الفشل الكلوي، إذ إن تناولها يؤدي إلى كثرة التبول وزيادة كميته وبالتالي تنظيف الجسم والكلى من السموم.
هذا الأمر أدى إلى أن يدعي كثير من الناس (وهو قول يحمل الكثير من الصدقية) أن انتشار الأمراض الحديثة من سكري وضغط وفشل كلوي وسرطانات في السودان أخيراً مرده إلى التخلي عن تناول الأطعمة والمشروبات المصنوعة من الذرة، مثلاً نجد أن (المريسة) تصنع من الذرة النابتة (الزريعة)، وهي تمثل خلايا جذعية أولية للبنات الجديد مشحونة بكمية هائلة من الطاقة الكهرومغناطيسية (لحاجة النبات نفسه لها لعملية الإنبات)، وعادة ما نجد أن الأغذية المنبتة تحتوي على مواد تصل إلى ستة أو عشرة أضعاف الفائدة المرجوة من النباتات غير المنبتة، فمثلاً قد تزداد كمية فيتامين (سي) في (زريعة الذرة) إلى ثمانية أضعاف كميته من الذرة العادية.
لهذا يعتقد كثير من العلماء نتيجة لدراسات عديدة أن الأغذية المنبتة لها القدرة على مكافحة الخلايا الحرة المسببة للسرطانات والعديد من الأمراض، ويستدل البعض بأن القبائل التي ما زالت تعتمد بصورة كبيرة على "المريسة" المستخلصة من الذرة المنبتة في غذائها (قبائل جنوب السودان مثلاً) لا يعرف أفرادها الأمراض المنتشرة اليوم مثل الضغط والسكري، وتكاد أن تنعدم فيها أمراض السرطان والفشل الكلوي.
من الصناعات الغذائية المهمة جداً التي تعتمد على الذرة بأنواعها بشكل كامل هي صناعة النِّشا والجلوكوز، إذ يتم فيها استخلاص مادة النِّشا ذات الاستعمالات المتعددة، (يدخل النِّشا في تركيب ما يزيد عن 80 صناعة ابتداءً من الكاسترد وانتهاءً بالمتفجرات)، إضافة إلى استخلاص المواد المستعملة في صناعة الحلويات والغذائيات مثل الجلوكوز (نسبة تركيزه 81% للسكر) والسكروز (نسبة تركيزه 100%) والفركتوز (نسبة تركيزه 110% للسكر)، وهي صناعة تتم فيها الاستفادة من حبة الذرة بالكامل.. إذ يستخلص من مكونات النِّشا البيضاء التي بداخلها ما يسمى بحليب الذرة، ومنه يستخلص النِّشا والجلوكوز حسب النسبة المطلوبة صناعياً.
ومن نواة الحبة الناتجة بعد الطحن المائي يستخلص واحد من أجود أنواع الزيوت في العالم.. وهو زيت عالي النقاء وكثيف القوام ويستعمل في صناعه الجلسرين، هذا إضافة إلى أن القشرة الخارجية (الردة) تعدّ من أجود أنواع الأعلاف للحيوان بأنواعه.
لهذا فإن الذرة ولسهولة زراعتها ومواءمتها لمناخ السودان تعدّ غذاءً إستراتيجياً يغنيك عن إملاءات أباطرة الغذاء.. وأذكر مرة وقبل حوالي ثلاثة أعوام أن كنت بالجارة إثيوبيا في رحلة عمل.. قابلت خلالها مجموعة من الوزراء، وأذكر أن أحدهم حكى لي حادثة كان لها عظيم الأثر على الشعب الإثيوبي بعد الثورة .. وذلك تعليقاً على ملاحظتي التي جاءت أثناء حديثي معه بأن وجبة (اللانجيرا) ما زالت تمثل الغذاء الرئيسي للشعب الإثيوبي، فقال لي إنه وبعد انتصار الثورة على نظام منقستو هايلي مريام.. كانوا بالسودان وقتها.. وقد استدعتهم الرئاسة السودانية (هو والرئيس مليس زيناوي وآخر)، وقدمت إليهم بعض النصائح، وكان إحداها أن لا يتخلوا عن وجبتهم الوطنية، وأن لا يتحولوا إلى دقيق القمح.. وقد اتبعوا هذه النصيحة وحافظوا على (اللانجيرا) المصنوعة من الذرة في غذائهم إلى اليوم.. وقلت في سري: ليت الناصحين فعلوا في أنفسهم ما نصحوا به الآخرين.. إذ لو ظل السودانيون على وجبتهم الرئيسية المصنوعة من الذرة لما كانت لديهم اليوم مشاكل دقيق أو خبز أو صفوف.
*خبير وعضو الهيئة الاستشارية للمجلة
مجلة "مذاق خاص""
عدد الفصل الرابع 2019

الثلاثاء، 24 ديسمبر 2019

خبيرة تكنولوجيا الحبوب أ.د ست النفر محجوب لـ(مذاق خاص): - سياسات عالمية فرضت القمح وكرّسته - الذرة بحاجة لقرار سياسي جرئ

خبيرة تكنولوجيا الحبوب
أ.د ست النفر محجوب لـ(مذاق خاص):
- سياسات عالمية فرضت القمح وكرّسته
- الذرة بحاجة لقرار سياسي جرئ
يستحيل تجاوز شهادة بروفيسور ست النفر محجوب الخبيرة في مجال علوم وتكنولوجيا الأغذية ونحن نفتح ملف البدائل الغذائية لأهل السودان وتحديداً الذرة، فقد ظلت هذه العالمة الجليلة، الأستاذة الجامعية والباحثة المهمومة بالعمل العام تقاتل لعقود من الزمان لتأصيل موروثاتنا الغذائية الوطنية وتكريم تقاليدنا المجتمعية في الغذاء والصحة، وما أن يرد ذكر الذرة والقمح إلا ويطفر اسمها إلى سطح الذاكرة، فقد استهلت هذه الجهود المخلصة منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي ولا يزال في صدرها شيء من حتى القمح والذرة.. جلست إليها (مذاق خاص) لتستخلص منها شهادة توثيقية حول هذه الجهود المضنية مجراها ومرساها، فكانت هذه الإفادة التي اتخذت شكل خطوط وعناوين بارزة دون أن نغوص في التفاصيل.. فإلى روايتها الشخصية.

الهموم والاهتمام:
منذ تخرجي في كلية العلوم جامعة "الخرطوم" على مستوى البكالوريوس، ثم حصولي على الماجستير والدكتوراه من جامعة "كنساس" بالولايات المتحدة الأمريكية، انصرف اهتمامي إلى موضوع الحبوب والغلال لا سيما أن الجامعة نفسها، جامعة "كنساس"، أعني الكلية التي درست بها، متخصصة في صناعة وعلوم الحبوب.. عدت إلى الوطن وكان موضوع الحبوب شاغلي وهاجسي، والتحقت بالعمل بمركز بحوث الأغذية بشمبات، هذا وقد سبقتني جهود باحثين وعلماء في هذا المجال، ولأن هذا الانشغال بدأ عندي 72- 1976 واصلنا العمل، فنحن نعمل كتيم وفريق عمل متجانس لكلٍّ كسبه ودوره.. بدأت قيادة فريق العمل واستمرت البحوث في مجال الحبوب بتمويل من (FAO) وطبقنا بعض النتائج تجارياً.

84- 1985م
تواصل ست النقر شهادتها التوثيقية قائلة:
الواقع أننا عملنا على تحسين دقيق الذرة وخلطه مع القمح لإنتاج الخبز ومنتجات أخرى.. الأبحاث كانت مشجعة وبالتالي استمرت الأبحاث بكل أنواع الذرة المتوفرة في السودان، وبدأنا بنسبة خلط (5%) إلى (50%) ذرة مع القمح، تجارياً طبقنا نسبة خلط (20%) ذرة في ثلاثة مخابز بمدن العاصمة المثلثة: الخرطوم، الخرطوم بحري وأم درمان.. هذه التجربة لم تستمر للأسف لأنه عندما يتوفر القمح تهمل الدولة الموضوع، وعندما يرتفع سعر القمح عالمياً يعود البحث عن الدقيق المخلوط (قمح+ ذرة).

القمح والسياسة:
تواصل بروفيسور ست النفر محجوب شهادتها التوثيقية مضيفة هذه المرة نظرة تحليلية لتقاطعات البحث العلمي والاقتصاد والسياسة قائلة:
نحن علماء متخصصون لا دخل لنا بالسياسة، ولكن أستطيع القول من خلال استدامة هذه المحاولات في مسألة العلاقة بين القمح والذرة، إن هذا الملف بكامله لم يتخذ بشأنه قرار سياسي حاسم.. استمر عملي مع مركز أبحاث الأغذية حتى بعد خروجي من المركز، واستمر التجريب والتطبيق، وارتفعت النسبة حتى (100%) ذرة، وأنتجنا خبراً مقبولاً.. التطبيق التجاري استمر.. نفذنا تجربة مع ولاية الخرطوم سنة 1995، والخلط كان فيها بنسبة (30- 35%) ذرة، وكانت النتيجة طيبة ومقبولة جداً.
التجربة الثانية بولاية الخرطوم كانت 1998م تحت اسم المشروع القومي لصناعة الخبز المخلوط.. 2009م استمرت التجارب، والدراسات العليا لم تتوقف في هذا الباب واستخدمت بعض التطبيقات دقيق الفتريتة.. 2017م تم فيه آخر تطبيق مع البنك الزراعي (المخزون الإستراتيجي).. وفي العام 2018 استغل طلاب، دراسات في إنتاج خبز لشريحة من المرضى المصابين بحساسية القمح.. الشاهد أن هذه المحاولات لم يسندها قرار سياسي جريء، كما أن المحاولات المستمرة للبحوث في بدائل تمثلها غلال أخرى غير القمح تصطدم دائماً بقوى عالمية تمثل تجارة القمح الدولية مصدراً حيوياً من مصادرها الاقتصادية.

مساهمة القطاع الخاص:
أول تطبيق تجاري مولته المعونة الأمريكية، تعاونوا معنا.. سياسة القمح قامت على فرضية توفّر الذرة وانخفاض أسعاره. للأسف الدولة فتحت باب استيراد القمح والدقيق وهو أمر ليس في صالح الإنتاج المحلي.. لكي ينجح الأمر لابدّ أن يكون هناك فائض محصولي وأصناف وكميات وزراعة.. الزراعة تحتاج إلى مواعين تخزينية، لابد من التوسّع في المواعين التخزينية، وأن تتوفر مطاحن للذرة بمواصفات.. المطاحن الموجودة مصممة للقمح.. يجب أن تتوفر مطاحن للذرة حديثة وتُنتَج بكميات كبيرة بعكس الموجود حالياً.

عمل مركز أبحاث الاغذيه علي انتاج دقيق الذره المحسن وذلك للاستفادة منه في الاغذيه التقليديه كالكسره  والعصيده والابري والحلو مر.   وكانت مساهمة رجل الاعمال عبد الوهاب موسى انتاج خط لصناعة الكسرة ميكانيكيا وقد نجح في انتاج الكسرة وتوزيعها بواسطة البقالات   وعكف المركزمع ورشة التكنلوجيا بالخرطوم بحري علي بعض التعديلات وإنتاج خط محسن لا يزال بالمركز.  ايضا هنالك مساهمات من المركز علي انتاج صاج الكسره  علي مستوي المنزل وكان الصاح الكهربايئ وآخر يوضع علي البوتاجاز
 نظرة أخرى علينا، ألا ننظر إلى العاصمة فقط بل إلى الولايات.. الناس تحولوا في المدن إلى الخبز لعدم وجود "الكسرة"، وأعتقد أن تحوّل نمط الغذاء في السودان من الذرة والدخن إلى القمح خلفه سياسات خارجية ومصالح دولية لمناطق الإنتاج والسوق العالمية، وساعد على ذلك وجود الجفاف والمجاعات في أفريقيا والعالم الثالث.. فالنازحون يتلقون معوناتهم من القمح وكذلك في حالات المجاعة والحروب والنزاعات.

خطأ الاستيراد:
حتى لو سلّمنا بوجود القمح في تركيبة المائدة السودانية فالاستيراد خطأ، علينا أن ننتجه هنا ونطحنه هنا في السودان.. الواقع أننا نستورد دقيق القمح وهذا غريب!!
ثمة طاقات كبيرة في المطاحن معطلة لأننا نستورد دقيقاً جاهزاً.. وثمة قيمة أخرى للذرة، فهي غذاء للحيوان أيضاً علف أو (ردة) القمح لا يتيح هذه الإمكانية، والحيوان يمدنا باللبن.. وأفضل نوع من أنواع الذرة قابل للخلط هو الذرة (طابت).. أما الدخن فيتم تقشيره بنفس طريقة الذرة لكنه لا يناسب مذاق شمال ووسط السودان، وفي كردفان يجد قبولاً واسعاً.. كذلك دارفور.. والدخن غذائياً أفضل من الذرة.

ختاماً.. يرجع الفضل في هذه الجهود، جهود البحث والاستكشاف لأساتذة أجلاء وباحثين على تعاقب أجيالهم عملوا بمركز أبحاث الأغذية "شمبات"، وتحديداً شعبة تكنولوجيا الحبوب مركز أبحاث الأغذية "شمبات".
مجلة "مذاق خاص"
الفصل الرابع 2019
مجلة التغذية والصحة الاولي في السودان

الخميس، 19 ديسمبر 2019

الكسرة ليست طعاما فحسب إنما طقسا متكاملا من طقوس الحياة السودانية..

الكسرة ليست طعاما فحسب إنما طقسا متكاملا من طقوس الحياة السودانية..
صناعتها التي تتم بالفطرة والممارسة منذ الآماد البعيدة في حياة المرأة السودانية كمدبرة وقائدة للاسرة.
في هذا العدد الهام  والمتميز من مجلة "مذاق خاص"
الشيف إسعاد العبيد تقدم المعاصرة بثوابت الاصالة السودانية..
مجلة التغذية والصحة الاولي في السودان

The Issue... To H.E.Abdallah Hamdok,The Prime Minister and his Government

This Issue
To H.E.Abdallah Hamdok,The Prime Minister and his Government

The journey of preparing and directing all the issues of Mazaaq Khaas magazine is strenuous, but this issue has made a double effort because it is a long and deep journalist investigation that seeks to reach the roots of the problem, its origin, size, and effects, besides offering solutions and treatments.

We did not imagine when we plan this special Durra file, the depth and width of the historical, political, cultural and economical challenges that  intersect with this file, and the national efforts seeking to replace wheat with Durra as a main food option for the people of Sudan,

 Unfortunately still not enough serious political decision has taken place to support essential policies necessary to bush durra to act as main food as well as economic alternative.

Ironically, when we talk about alternatives to wheat as if it is our basic food historically, not durra, this problem is a result of the poor measures, poor development policies, lack of imagination and absence of scientific planning that flipped dimensions and reflected the image.

 So to overcome this, we are documenting the testimony of the expert-in the science and technology of grain-Dr.Sit Al-Nafr Mahgoub, addressing the Prime Minister Hamadook’s effort, pointing out the genuine research and sincere National efforts led by Sudanese Scientists and Experts dealt with the re-consideration of durra as food culture, a way of life and a gift of God.

This issue is honored to be joined by a large  pen to become like the jewel of the crown,  the Great Scientist professor Jaafar Mirghani, a name honored platforms and adorned by his precious, wide and deep  knowledge.

The late professor Ahmed Tayeb Zain El Abidin launched a delicious article in which durra was monitored in -its cultural and societal influences and impacts - on the whole Sudanese Culture!

 Dr. Maha Obeidallah discusses the subject in its organic composition within the food balance chain, and the magazine consultant Haidar Altom in species and uses, traditionally and spirituality and chef Esaad recall the inherited food making traditions from durra & millet in her contemporary way, and the desert of this issue is Mohamed Fatih Abu Aqlaa who roamed us in a rich tourism and sympathy between the fields of durra.
Dear reader and advertiser: you have supported Mazaaq Khaas project, and this is still the covenant unplugged, provided that we are from you and to you.

Mazaaq Khaas
Nutrition & Health Magazine-2019

الثلاثاء، 17 ديسمبر 2019

هذا العدد.. إلى السيد رئيس الوزراء وحكومه..

هذا العدد
الي السيد رئيس الوزراء وحكومته

* مضنية رحلة إعداد وإخراج كلّ أعداد مجلة (مذاق خاص)، ولكن هذا العدد بُذل فيه مجهود مضاعف، فهو بحث طويل وعميق في الصحافة الاستقصائية التي تسعى إلى جذور الأزمة ومكامنها وتتساءل حول الحلول والمعالجات.
* لم يكن في البال ونحن نصنع المخطط الأوليّ لملف الذرة الذي كرسنا هذا العدد لاستكشافه، مدى التقاطعات العميقة لهذا الملف مع ما هو سياسي واقتصادي ومعيشي، بل وتقاطع الملف مع محاور دولية تسعى لإحلال القمح وفرضه كخيار وافد على أهل السودان، وللأسف لم يتخذ بشأن اعتماد سياسات الذرة كبدائل غذائية واقتصادية في مقابل القمح أي قرار سياسي حتى مثول هذا العدد بين يدي القارئ.
* المضحك المبكي أننا بتنا نتحدّث عن بدائل القمح كأنما الأصل في غذائنا هو القمح وليس الذرة، وبسوء التدبير وهوان سياساتنا التنموية وضعف الخيال والتخطيط انقلبت الأبعاد وانعكست الصورة، فصار الأصيل هو الدخيل، وهذا ما لمسناه ونحن نوثّق شهادة الخبيرة في علوم وتكنولوجيا الحبوب "ست النفر محجوب"..  أننا نخاطب في هذه الافتتاحية دولة رئيس الوزراء حمدوك بجهد المقلّ، منوّهين في هذا العدد إلى بحث أصيل وجهود وطنية مخلصة قادها علماء وخبراء من أبناء هذا الوطن بضمير مخلص لإعادة الاعتبار إلى الذرة كغذاء ونوع حياة، وكنبتة سودانية مكانها سهول السودان وأراضيه وريّها مياه أمطاره وعاصمتها القضارف.
يتشرّف هذا العدد بأن يضم قلماً كبيراً إلى حبات عقد كُتّابه النضير ليصير مثل جوهرة التاج، ذلكم هو العلّامة الحبر جعفر ميرغني، وهو اسم تتسابق لإضافته المنابر والمنصات وتتزيّن بعلمه النادر الغزير السطور والصدور، وعندما يتحدّث العلّامة جعفر ميرغني فإنما ينظر في الجذور الحضارية لأية ظاهرة سودانية ناهيك عن تأثيل الغذاء وتأصيله وهو بحث عزَّ أن ينال من غير كرمه.
* لقد أطلق الراحل المقيم بروفيسور أحمد الطيب زين العابدين مقالاً شهيراً رصد فيه الذرة في تأثيراتها الثقافية والمجتمعية على أهل السودان طارفها وتالدها، فهل لا يزال هذا الأثر قائماً بعد أن جرت مياه كثيرة تحت الجسر، وبعد أن تغيّر نمط السلوك الغذائي في السودان خاصة في حواضره ومدنه؟!
* يحاول هذا العدد تغطية ملفّ الذرة برشفات عدة من أكواب شتى، فدكتورة مها عبيد الله تبحث موضوع الذرة في تركيبتها وتكوينها العضوي ضمن سلسة التوازن الغذائي، والباحث المجوّد حيدر التوم في الأنواع والاستخدامات، والشيف إسعاد العبيد تستدعي موروثا اصيلا على مائدتها المعاصرة، وحلوى مائدة العدد وتحليته المقال الشجي الطروب للباحث الشجي وارث الروح السودانية صاحب الدوبيت والمسادير محمد الفاتح أبو عاقلة الذي طوّف بنا في سياحة غنية ومؤانسة ماتعة بين حقول العيش.
* عزيزي القارئ والمعلن
لقد دعمت مشروع (مذاق خاص) ولا يزال هذا هو العهد، بل العشم موصول، فشرط وجودنا منك وبك.

مذاق خاص
مجلة التغذية والصحة الاولي في السودان

السبت، 14 ديسمبر 2019

إجازة صيفية بمذاق الجبن والفسيخ محمد أمين أبو العواتك

إجازة صيفية بمذاق الجبن والفسيخ
محمد أمين أبو العواتك
مجلة "مذاق خاص"
يأتي موسم الإجازات الصيفية في السودان قديماً بعد انتهاء العام الدراسي في وقت موحّد لكل المراحل الدراسية بدرجاتها المختلفة في ذلك الزمان "ابتدائي، عام وعالي"، فكانت غالب المدارس حكومية قبل ظهور المدارس الخاصة وتراجع دور الدولة شيئاً فشيئاً مع التراجع العام الملحوظ في جودة الخدمات المقدمة في مجالات عدة.
 تتهيأ الأسر السودانية المنتشرة جغرافياً في كل خارطة الوطن الكبير حسب احتياجات الخدمة المدنية وسياساتها الطموحة في ذلك الزمان في ربط نسيج الوطن الاجتماعي تمازجاً جميلاً بين مختلف مكوناته وإثنياته حتى صارت كل المدن السودانية كشكولاً ملوّناً جميلاً وتداخلاً طبيعياً حميماً، تتهيأ هذه الأسر للإجازة السنوية منذ مدة طويلة يتفق عليها في الغالب منذ الإجازة التي سبقت، فتشهد فترتها في الغالب المناسبات الاجتماعية الجامعة للأهل كالزواج والختان وغيرهما، وترتب الأسر أحوالها وفقاً لذلك طوال العام تخطيطاً وتجهيزاً على أن القبلة الأساسية لكل الإجازات في الغالب هي للبيت الكبير في مسقط الرأس، حيث الجد والجدة، وتستخرج تصاريح السفر على السكة الحديد منذ فترة وكذلك الشراء الشهري لهدايا الإجازة، التي تكون في الغالب من خيرات المنطقة، فأهل دارفور وكردفان لديهم خيرات واسعة من المنتجات الزراعية والغابية كالتبلدي والكركديه والقضيم والفول السوداني خاصة المسحون وأنواع الشطة الحارة والسمن البلدي، وتفضل ربات البيوت كذلك الأدوات المنزلية كأطباق الأكل المزخرفة (الطُّباقة) التي تستخدم لتغطية الأكل وتصنع من المواد المحلية كالسعف وتشتهر بها تلك المناطق، بجانب أداة النظافة المشهورة (المُقشاشة)، و(المُفراكة) وهي أداة تستخدم في تنعيم الخضار أثناء الإعداد عن طريف الفرك، فأطباق الطعام المفروك في السودان من الخضار تعد أحد أهم الأطعمة التقليدية في وجبة الغداء كالبامية والملوخية والشمار والورق الأخضر مع الكسبرة وغيرها من الأطباق السودانية المميزة.
أهل الصعيد كذلك لهم خيرات متعددة وتكون غالب هدايا الإجازة من المنتجات الزراعية والتوابل الفاكهة التي تتميز بها بعض أنحاء شرق السودان كمنطقة كسلا التي تجاور كذلك  مناطق البن الحبشي، أما الشمال فالبلح والفول المصري والشمار والكسبرة، ويهدي أهل الجنوب وجبال النوبة ثمار الغابة السودانية وعسل النحل الأصلي، كما تشتهر شطة الجبال، وتتميّز هدايا البحر الأحمر بمظهر مختلف كطبيعة المدن الساحلية والموانئ التي تمثل لنا في ذلك الزمان دهشة ومفاجآت جميلة قبل الانفتاح الاقتصادي والعولمة وتطور وسائل الاتصال والفضائيات.
العائلات الكبيرة الممتدة في جميع أنحاء السودان تتوزع أسرها الصغيرة ما بين التجارة والوظيفة العامة في مختلف تخصصاتها كالصحة والتعليم والجمارك والمجالس البلدية والشركات الخاصة، كعائلتنا الكبيرة التي هي نموذج مثالي يمثل أهل السودان بين يدي الحكومات التي أعقبت الاستقلال بأنواعها حتى فترة الرئيس نميري أو ما يعرف بفترة ثورة مايو،  فكانت تلتقي كل هذه الأسر في البيت الكبير في الدويم بحر أبيض، كل يحمل هداياه من خيرات جغرافيته ويصير البيت الكبير كخلية نحل، خاصة نحن الصغار، بطاقة تزيد عن المعتاد وكل تلك المعارك والمغامرات.
المدن على ضفاف الأنهار التي تحتشد بها بلادي جعلت الأسماك ومنتجاتها من المكونات الرئيسية للغذاء، وظلت ممارسات وطقوس إعدادها وتخزينها وتخميرها موروثاً ثقافياً مهولاً تفنن أهل السودان فيه بمختلف مذاقاتهم وأمزجتهم على مر حضاراتهم عبر التاريخ، ليصير البيض وتلوينه والبصل والفسيخ رموزاً احتفالية وأعياداً يُحتفى بها كل عام.
سرعان ما تنتهي إجازة الصيف الحافلة بالأحداث ومختلف المناسبات، ويبدأ برنامج العودة وهنا يبدأ مظهر جديد لموروث أهل السودان في الكرم والتقدير للآخر من جميع الأهل والمعارف، وهي مراسم الوداع، وتشتهر الدويم كإحدى حواضر بحر أبيض بالجبن والفسيخ في تلك الصفائح الحديدية الصغيرة المميزة والمشهورة، التي تبدلت بمرور الأيام إلى البلاستيك، وعادة تمثل المحصلة النهائية للوداع كمية كبيرة من عبوات الجبن والفسيخ التي تصلح أن تكون رأس مال تجاري لبداية مشروع استثماري ويكون عبء حملها للديار مشكلة خاصة إذا كانت المحطة الأخيرة الأبيض أو بورتسودان!!
وفسيخ بحر أبيض من النوعيات المميزة في السودان، ويصنع من أنواع مختلفة من الأسماك كالكوارة والدبس ألا أن أجود أنواعه تصنع من سمك (الكاس) المعروف، وطوّر البعض تصنيعه بسحنه لتُنتج بودرة الفسيخ تسهيلاً لإعداده، على أن واقع الصناعة ظل كما هو في بدائيته مع كل هذه الموارد المهولة.. ترى من سيصنع الفرق؟!
مجلة " مذاق خاص"-٢.١٩
مجلة التغذية و الصحة الاولي في السودان